نبذة تاريخية فلسفية المدرسة المشائية والاشراقيّة والحكمة المتعالية لازم التفكير وجود الانسان منذ نعومة اظفاره الى يومنا هذا، و ترك آثاراً مهمّة فى حياته حيث خلق انعطافات و تحولات مهمّة فى مسار حركته، و طوَّر اسلوب تعامله مع محيطه على مختلف الميادين و الصُعد. و بهذا اختلفت حياة الانسان المتطورة عن حياة الحيوان بقوالبها الجاهزة و الجامدة، فكم تجد الفارق واضحا بين بيوت الإنسان التى كانت فى حدود الكهوف و المغارات و التى تطورت الى عمارات ناطحات للسحاب، و بين بيوت النحل السداسية ذات الاشكال الجامدة التى لم يكتب لها تغيير منذ ان وجد هذا الحيوان ولحد الآن. والفكر الفلسفى الذى أثارته و أفرزته تساؤلات الانسان عن الكون و الحياة، و المبدأ و المعاد، كان احد المحاور الفكرية التى استقطب اهتمام البشر من لدن آدم و لحدِّ الآن، و دفعه صوب التأمل و النظر، و من ثم نحو الإبداع و الابتكار في هذا المجال، و قد كان لحكماء الفرس واليونان قصب السبق فى ذلك على بقية الامم وكان ذلك قبل الميلاد بعدة قرون حيث طفحت على سطح مناظراتهم و تأملاتهم الفلسفية العديد من الآراء و النظريات، التى كان يسودها الاتزان تارة و التهافت و التضارب تارة أُخري، و فى ذات الوقت النمو و الثراء بفعل التلاقح الفكرى الحر الذى وفّرَ أجواء خصبة لذلك. و فى ظل هذه الظروف برزت تيارات الشك و السفسطة و احتلّت مساحة واسعة من التفكير الفلسفي، بعد أن احتل أربابها و هم السوفسطائيون، منابر التعليم و الخطابة و المحاماة، و انكروا حقائق الاشياء و وجودها الخارجي، فانعكس ذلك على أذهان الناس و خلق عندهم بلبلة ذهنية و شكاًبكل حقيقة مهما كان طابعها، و كان ذلك فى القرن الخامس قبل الميلاد. و لم يستمر الوضع على هذا الحال حيث تصدى سقراط لعلاج الموقف بقوة، و تبعه على ذلك افلاطون، و تلاهما ارسطو طاليس الذى اسّس قواعد الاستدلال و التفكير الصحيح فى علم المنطق، حيث كشف عن زيف السفسطة و مغالطتها و منزلقاتها التى أودت بالتفكير الانسانى الى الهاوية. و بذلك تربع اليقين علي عرشه، و عادت مياه الحقيقة الى مجاريها و تلاشت تيارات الشك والانكار، و على هذا المنوال استمر الحال حتى بعد رحيل العمالقة الثلاثة؛ سقراط و افلاطون و ارسطو، حيث استمر تلامذتهم فى ترويج افكارهم، فدفعوا عجلة اليقين الي امام. الا ان مكانة هؤلاء أخذت بالتهاوى بين الناس بمرور الزمان، فتقلص دورهم و قلّت أهميتهم، فشدّوا رحالهم الى الاسكندرية، لتكون محطة جديدة لنشر أفكارهم و تداول معارفهم و استمروا على هذا المنوال حتى القرن الرابع بعد الميلاد. و فى هذه الفترة اعتنق امبراطورُ الروم المسيحيةَ، و تبنّى أفكارها باعتبارها آراء الدولة الرسمية، إلا أنه فى ذات الوقت فتح امام العلماء أبواب النقد لطرح آراءهم و وجهات نظرهم، و على أثر ذلك تدهورت الاوضاع و تفاقمت الامور بفعل التعارض و التضارب فى وجهات النظر بين الكنيسة و العلماء مما دفع الأمبراطور (جستنيان) الى اصدار أوامره بغلق المراكز العلمية و الجامعات و المعاهد الفكرية، و تعطيل المدارس فى أثينا و الاسكندرية، ففر العلماء خوفا من البطش و التصفية الجسدية، وحينها انطفيء مشعل العلم و انتكست راية المعرفة، ومنها دخلت اوربا فى عصورها المظلمة، والتى تسمى أيضا بالقرون الوسطي، حيث استغرقت الف عام من الزمان، و على نحو التحديد من أوائل القرن السادس بعد الميلاد و انتهاءً بالقرن الخامس عشر بعد الميلاد و امتازت هذه الفترة باستيلاء الكنيسة على المراكز العلمية استيلاءً تاماً؛ فكانت المباحث العلمية و الفلسفية تفرضها الكنيسة على انها تعاليم دينية لاتقبل النقاش. و فى هذه الفترة بالذات ازدهرت الحركة العلمية فى شبه الجزيرة العربية بفضل نور الاسلام، الذى ولد هناك فى تلك الفترة و قد اضاء كل شيء، و بدت حينها حركة علمية تنشط و تتفاعل و تتلاقح و تنمو بفضل ما حث عليه الدين الاسلامي من طلب العلم من المهد الى اللحد، حتّى ولو كلف ذلك خوض اللجج و سفك المهج، و حتى و لو كان فى الصين، و بالفعل فقد برع المسلمون فى جميع حقول العلم و المعرفة، و من جملتها الحقل الفلسفي، فترجموا كتب اليونانيين و الرومانيين و الايرانيين الى اللغةالعربية، وانهمك آخرون كالفارابي(1) فيتبيان و شرح افكار افلاطون(2) و ارسطو(3)، و تبعه على ذلك ابن سينا(4) حيثُ سلط الضوء على فلسفة و منطق ارسطو و بذلك ظهرت المدرسة المشائية فى بلادنا الاسلامية. و فى اواسط القرن السادس الهجري، شرح الشيخ شهابالدين السهروردي(1) افكار افلاطون بعد ان هواها و دافع عنها، و بذلك أسس الفلسفة الاشراقية في بلادنا الاسلامية و نقد الفلسفة المشائيّة. و فى مطلع القرن الحادى عشر الهجري، ظهر صدرالمتألهين الشيرازي(2) بآراء و افكار فلسفية جديدة على ضوء القرآن و كلمات الرسول صلياللهعليهوآله و أهلالبيت الطاهرين عليهمالسلام ، و اسماها بالحكمة المتعالية.(3) 1. الفارابي: (ابونصرمحمد) (ت المدرسة المشائيّة و الاشراقيّة و الحكمة المتعالية المدرسة المشائيّة تتمثل بفلسفة ارسطوطاليس حيث كان يعتمد فى ابحاثه على الاسلوب الاستدلالى و سميّت فلسفته بهذا الاسم، لانه كان يسير من المقدمات الى النتيجة و كان من الاولى تسمية فلسفته بالفلسفة الاستدلالية في مقابل الفلسفة الإشراقية التى نادى بها افلاطون، الذى كان يرى بأنّ المعارف بالخصوص الإلهية منها، لا تتأتى عن طريق الاستدلال العقلى فحسب، بل لابدّ و أن يوجد الى جانب ذلك سير و سلوك و تهذيب اخلاقى يبعث اشراقات و افاضات للمعارف الالهية على القلب. و قد تشعب الفلاسفة المسلمون على غرار ذلك الى فلاسفة مشائين يتقدّمهم ابو على ابن سينا، و فلاسفة اشراقيين يتزعمهم شهابالدين السهروردي. و اما الحكمة المتعالية فهى اسم اختاره صدرالمتألهين الشيرازى لفلسفته التى حاول من خلالها التقريب بين الفلسفة المشائية الاستدلالية وَ بين المدرسة الاشراقية و بين ما جاء فى الكتاب والسنة الشريفة من احاديث و روايات. 1. شهابالدين السهروردي: «550 ـ 587 ه» صاحب مدرسة الاشراق فى بلادنا الاسلامية و قد عرض آراءه بالنثر و الشعر باللغتين العربية و الفارسية، وله مصنفات منها: التلويحات اللوحية و العرشية، و الالواح العمادية و هياكل النور.
2. افلاطون «plato»: (428 ـ 347 ق.م) فيلسوف يونانى يُعَدّ من مشاهير فلاسفة العالم، ولد فى اثينا من اسرة عريقة فى المجد، بدأ اول دراسته بالرسم، ثم نظم الشعر، تتلمذ فى سن العشرين على يد سقراط الذى كان له الدور الاكبر فى نشأته الفلسفية.
3. ارسطو «Aostotet» (384 ـ 322 ق.م) مربى الاسكندر و من كبار فلاسفة اليونان، مؤسس فلسفة المشائين، من مؤلفاته: «المقولات» ، «الجدل» ، «الخطابة» ، «السياسة» ، «كتاب مابعد الطبيعة»، اثر فى الفكر العربى و من اول من ترجم مؤلفاتهِ، اسحاق ابن حنين.
4. ابو على بن سينا: «384 ـ 427 ه» ولد فى أقشنة قرب بخارى و توفى فى همدان، عُرِف بالشيخ الرئيس و كان عالماً لامعاً و عملاقاً كبيراً حيث ضرب فى كل فن بسهم وتجلى فيه نبوغه، ففى مضمار الفلسفة فيلسوف مبدع، بلغت الفسلفة المشائية على يده القمة، و فى مضمار الطب طبيب ماهر و حاذق، الّف كتاب «القانون» الذى لم يزل يُدَّرس فى الجامعات العلمية عبرقرون، كما و انه عرف استاذاً لامعاً فى الرياضيات و الهيئة.
نشر افكاره فى حلب مما ألب الناس عليه و اتهموه بالكفر مما دعى صلاحالدين الايوبى ان يأمر ابنه الملك الظاهر بقتله فاستُشْهِد على يده فى قلعة حلب و فى شهر رجب.
2. صدرالمتألهين الشيرازي: «979 ـ 1050 ه» و هو محمد بن ابراهيم المعروف بصدرالمتألهين، ولد فى مدينة شيراز، و هو عالم شيعى كبير، تعرف فلسفته بالحكمة المتعالية، من اشهر كتبه «الاسفار الاربعة». وَ عُرف ايضاً باسم الملاّصدرا.
3. يراجع من أجل الإلمام بتفاصيل هذا الدرس: كتاب المنهج الجديد لتعليم الفلسفة للاستاذ مصباح اليزدي، و كتاب فلسفتنا للشهيد السعيد محمدباقر الصدر، و كتاب تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم.
الاحد, 03 محرم, 1428
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من المملكة العربية السعودية
نبذة موفقة لتاريخ الفلسفة..
فعلا ما قدمه العرب للفلسفة يعتبر شيء كبير وهم السبب في بقاء فلسفات سقراط وافلاطون وارسطو...
لكن عرضك لها كان اجمل...
لم اخطيء في زيارة مدونتك واتمنى لك كل التوفيق...
دمت بكل ود